
لم يعد قطاع الاجتماعات والحوافز والمؤتمرات والمعارض (MICE) في السعودية مجرد نتيجة جانبية لمشاريع البنية التحتية الضخمة، بل أصبح سوقاً قائماً بذاته له أرقامه ومنحنى نموه الخاص، وتحدياته أيضاً. تشير بيانات صناعية حديثة إلى أن حجم سوق الـMICE في المملكة سيصل إلى 3.54 مليار دولار في عام 2026، ارتفاعاً من 3.22 مليار دولار في 2025، في طريقه إلى 5.65 مليار دولار بحلول 2031. بالنسبة لمديري الأماكن ومنظمي المؤتمرات المحترفين وشركات الصوت والإضاءة والمنتجين المستقلين، ما يهم أكثر من نسبة النمو نفسها هو ما الذي يقود هذا النمو، وأين تتركز الإيرادات، وما هي الاختناقات التي قد تُبطئه.
السوق بالأرقام
وفقاً لتقرير Mordor Intelligence، من المتوقع أن ينمو سوق الـMICE السعودي بمعدل نمو سنوي مركب قدره 9.82% بين عامي 2026 و2031، ليصل إلى 5.65 مليار دولار. من جهة أخرى، نقلت صحيفة الشرق الأوسط عن الهيئة العامة للمعارض والمؤتمرات (SCEGA) أن القطاع ينمو بمعدل يقارب 10% سنوياً خلال السنوات الخمس الماضية، بمساهمة مباشرة في الناتج المحلي تُقدر بنحو 10 مليارات ريال (نحو 2.7 مليار دولار). كما توسعت الطاقة الاستيعابية للقطاع بنسبة 32% خلال عام واحد فقط، عبر 923 موقعاً معتمداً على مستوى المملكة، فيما من المقرر إقامة أكثر من 50 معرضاً رئيسياً في الرياض وجدة ومكة المكرمة بين ديسمبر 2025 وأكتوبر 2026.
- تصدرت المؤتمرات جميع أنواع الفعاليات بنسبة 39.05% من نشاط السوق في 2025.
- يُعد قطاع الحوافز (Incentives) الأسرع نمواً، بمعدل نمو سنوي مركب متوقع يبلغ 14.83% حتى 2031.
- مثّل الإقامة الفندقية أكبر مصدر إيراد منفرد بنسبة 33.84% في 2025.
- رسوم التذاكر والتسجيل هي الأسرع نمواً بين مصادر الإيرادات، بمعدل 16.35%.
- شكّل العملاء من الشركات نسبة 55.92% من المشاركين في 2025، بينما تنمو الجمعيات والمنظمات غير الربحية بأسرع وتيرة عند 11.97%.
ما الذي يقود هذا النمو؟
تبرز ثلاثة عوامل رئيسية. أولاً، تستمر خطة الاستثمار الرأسمالي المرتبطة برؤية 2030 في إضافة أماكن ومنشآت فندقية بمواصفات مناسبة للمؤتمرات والمعارض الكبرى، من مشاريع عملاقة مثل نيوم والقدية إلى مشاريع إعادة التطوير التراثي في الدرعية. ثانياً، تتوسع الطاقة الاستيعابية لقطاع الطيران بما يوسّع قاعدة الحضور المحتملة: نقلت الخطوط السعودية 37 مليون راكب في 2025، وتستهدف طيران الرياض بدء تشغيلها التجاري في 2026، فيما يستهدف المخطط الرئيسي لمطار الملك سلمان الدولي استقبال 120 مليون راكب سنوياً بحلول 2030. ثالثاً، أصبح الدخول إلى المملكة أسهل، مع توسّع نظام التأشيرة الإلكترونية وتأشيرة الـ96 ساعة للترانزيت، ما يحوّل حركة العبور إلى زيارات عمل قصيرة، ويشجع على تمديد الرحلات لأغراض ترفيهية (“bleisure”) حول المؤتمرات في وجهات مثل العلا وأبها.
تراهن مجموعات الفنادق الكبرى على المسار نفسه؛ إذ احتفلت مجموعة IHG بمرور 50 عاماً على وجودها في المملكة في نوفمبر 2025، مع أكثر من 100 فندق عامل أو قيد الإنشاء، من بينها نحو 1700 غرفة جديدة قرب مطار الملك عبدالعزيز الدولي في جدة. أما على صعيد المعارض، فقد استقطب معرض INDEX السعودية 2025 أكثر من 400 عارض من 33 دولة في مركز واجهة الرياض للمعارض والمؤتمرات، كما افتُتحت القمة الدولية للاجتماعات والمعارض (IMS25) بتوقيع 20 اتفاقية ومذكرة تفاهم تهدف إلى جذب مزيد من المنظمين العالميين إلى الرياض.
أين يصبح النمو أصعب؟
التقارير نفسها التي تُظهر فرص النمو تشير أيضاً إلى نقاط الضغط في السوق. وتتكرر أربعة تحديات رئيسية:
- نقص في الكفاءات المعتمدة في تنظيم الاجتماعات والإنتاج، وهو الأكثر حدة في الوجهات الجديدة نسبياً مثل نيوم والعلا وأبها، ما يدفع المنظمين للاستعانة بمختصين خارجيين لسد الفجوة، بتكلفة إضافية.
- اعتماد كبير على العمالة الوافدة في قطاع الفعاليات، بتركّز أعلى في الرياض وجدة ونيوم.
- موسمية الصيف، التي لا تزال تدفع جزءاً كبيراً من المؤتمرات نحو الأشهر الأكثر اعتدالاً من أواخر الخريف حتى الربيع، ما يضغط على توفر الأماكن في مواسم الذروة.
- محدودية الربط الجوي بالمدن من الدرجة الثانية مثل العلا وأبها والدمام، ما يحدّ من قدرة الفعاليات على الانتشار خارج الرياض وجدة.
ماذا يعني هذا لمحترفي الصناعة؟
تحمل هذه البيانات عدة دلالات عملية للمحترفين في القطاع:
- قطاعا الحوافز والجمعيات هما الأكثر جدارة بالمتابعة، فكلاهما ينمو أسرع من متوسط السوق، ويكافئ مقدمي الخدمات القادرين على بناء باقات تجريبية مميزة، لا مجرد لوجستيات مؤتمرات تقليدية.
- الشهادات المهنية ومهارات الإنتاج المتخصصة أصبحت ميزة تنافسية حقيقية وليست مجرد سطر في السيرة الذاتية؛ فنقص الكفاءات يعني أن المنظمين وطواقم الإنتاج المعتمدين يمكنهم الحصول على أسعار أفضل، خصوصاً في فعاليات المشاريع العملاقة والوجهات الجديدة.
- يستحق العمل في المواسم الوسيطة والمدن من الدرجة الثانية الاستثمار مبكراً، قبل اكتمال منحنى الطلب، إذ تسعى الأماكن والمنظمون فعلياً لإعادة توزيع الفعاليات خارج التقويم التقليدي المتركز في الشتاء والرياض وجدة.
- تنويع مصادر الإيراد يواكب اتجاه السوق، إذ تنمو التذاكر والتسجيل والرعاية أسرع من النماذج المعتمدة على الإقامة الفندقية، وهو ما يستحق أخذه بالاعتبار عند تسعير الخدمات والباقات.
المصادر



